محمود الكازروني ( قطب الدين محمود الشيرازي )
244
شرح حكمة الاشراق
واجب الوجود من جميع جهاته ، هذا خلف . وهذا الإشكال لا يختصّ بالوحدة ، بل يتوجّه في الطّبائع العامّة كلّها ، كالوجود ونحوه ، بأن يقال ، مثلا : إن وجب تخصّص الوجود بأحد الجزئيّات فلا يوجد في غيره ، وإن أمكن فلحوقه به لعلّة ، فيصير الواجب لذاته ممكنا لذاته ، هذا محال . قولهم : « إنّ الوحدة في واجب الوجود سلبيّة » ، معناه : أنّه لا ينقسم ، وفي غيره إيجابيّة . وهي مبدأ العدد ، والعدد شئ وجودىّ ، وكذا مبدأه » . ولقائل أن يقول : « هذه الوحدة الّتى هي مبدأ العدد ، يوصف بها أيضا واجب الوجود » . فإنّا نقول : القيّوم واحد ، وثانيه العقل الأوّل ، وثالثه كذا ، أي : العقل الثّانى ، ورابعه كذا ، أي : العقل الثّالث ، فقد وصفناه بالوحدة الّتى هي مبدأ العدد ، إذا أخذناه مع أعداد الوجود ، فإنّه واحد منها ، فلم ينفع ذلك الاعتذار وتغيير الاصطلاح . وهو أنّ الوحدة في الواجب بمعنى وفي الممكن بآخر . وهذا العذر الواهي هو المراد من المراوغة ، بل الحقّ ، في الجواب ، أن يقال : هذا الإشكال إنّما يتوجّه فيما إذا كانت الطّبيعة الّتى يعرض لها العموم لها صورة في الأعيان ، ولا تكون لازمة معلولة لكلّ واحد من الجزئيّات ، كالجسميّة أو الهيولى الّتى لها تحقّق في الأعيان . فإنّ تخصّصها بالمائيّة أو السّماويّة لو كان لذاتها ، ما صحّ وجود جسميّة أو هيولى غير متخصّصة بذلك النّوع أو الصّورة ، فلا بدّ من مخصّص وعلّة للتخصيص في الأعيان ، فإنّ نسبة الجسميّة إلى جميع لواحقها إمكانيّة ، ولا مانع من فرض بقاء جسميّة أو هيولى ، وتبدّل صور أو أعراض عليهما . أمّا إذا لم يكن لها صورة في الأعيان وكانت لازمة اعتباريّة لكلّ واحد من الجزئيّات ، فلا يكون تخصصها بأحدها واجبا ، ولا لحوقها به ممكنا ، لأنّ الوجوب والإمكان من صفات الأمور الموجودة في الأعيان ، لا للأمور الاعتباريّة الموجودة في الأذهان .